الغزالي

18

إحياء علوم الدين

عبادي . فالقلوب المظلمة بحب الدنيا ، وشدة الشره ، والتكالب عليها محجوبة عن نور الله تعالى ، فإن مستضاء أنوار القلوب حضرة الربوبية ، فكيف يستضيء بها من استدبرها وأقبل على عدوّها ، وعشق بغيضها ومقيتها ، وهي شهوات الدنيا ! فلتكن همة المريد أوّلا في أحكام العلم ، أو في طلب عالم معرض عن الدنيا ، أو ضعيف الرغبة فيها إن لم يجد من هو عديم الرغبة فيها . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الله يحبّ البصر النّاقد عند ورود الشّبهات والعقل الكامل عند هجوم الشّهوات » جمع بين الأمرين ، وهما متلازمان حقا . فمن ليس له عقل وازع عن الشهوات فليس له بصر ناقد في الشبهات . ولذلك قال عليه السلام [ 2 ] « من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا » فما قدر العقل الضعيف الذي سعد الآدمي به ، حتى يعمد إلى محوه ومحقه بمقارفة الذنوب ومعرفة آفات الأعمال قد اندرست في هذه الأعصار ، فإن الناس كلهم قد هجروا هذه العلوم ، واشتغلوا بالتوسط بين الخلق في الخصومات الثائرة في اتباع الشهوات ، وقالوا هذا هو الفقه ، وأخرجوا هذا العلم الذي هو فقه الدين عن جملة العلوم ، وتجردوا لفقه الدنيا الذي ما قصد به إلا دفع الشواغل عن القلوب ليتفرغ لفقه الدين ، فكان فقه الدنيا من الدين بواسطة هذا الفقه . وفي الخبر [ 3 ] « أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع وسيأتي عليكم زمان خيركم فيه المتثبّت » ولهذا توقف طائفة من الصحابة في القتال مع أهل العراق وأهل الشام ، لما أشكل عليهم الأمر ، كسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر ، وأسامة ، ومحمد بن مسلمة ، وغيرهم فمن لم يتوقف عند الاشتباه كان متبعا لهواه ، معجبا برأيه ، وكان ممن وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال [ 4 ] « فإذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متّبعا وإعجاب كلّ ذي رأى برأيه فعليك بخاصّة نفسك » وكل من خاض في شبهة بغير تحقيق فقد خالف قوله تعالى